هل يحل جمع الثلاث في الطلاق

|

بسم الله الرحمن الرحيم

هل يحل جمع الثلاث في الطلاق؟

اختلفت الرواية عن أحمد في جمع الثلاث.

الرواية الأولى: مكروه ليس بمحرم؛ اختاره الخرقي وهو مذهب الشافعي وأبي ثور وداود وروي ذلك عن الحسن بن علي وعبد الرحمن بن عوف والشعبي[1] والرواية الأخرى عن أحمد[2] ، لأن عويمرا العجلاني لما لاعن امرأته قال : كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه[3] ولم ينقل إنكار النبي صلى الله عليه وسلم.
[وعن عائشة أن امرأة رفاعة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت يا رسول الله : إن رفاعة طلقني فبت طلاقي] متفق عليه[4]
وفي حديث فاطمة بنت قيس أن زوجها أرسل إليها بثلاث تطليقات.[5]
ولأنه طلاق جاز تفريقه فجاز جمعه كطلاق النساء.[6]

والرواية الثانية: حرام اختارها أبو بكر وأبو حفص روي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه. واختاره أكثر أصحابه، وقال أحمد : تدبرت القرآن فإذا كل طلاق فيه فهو الطلاق الرجعي يعني طلاق المدخول بها غير قوله : {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } [ البقرة : 230 ][7]   قال علي رضي الله عنه : لا يطلق أحد للسنة فيندم وفي رواية قال : يطلقها واحدة ثم يدعها ما بينما وبين أن تحيض ثلاث حيض فمتى شاء راجعها[8]
وعن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا أتي برجل طلق ثلاثا أوجعه ضربا[9]
وعن مالك بن الحارث قال : جاء رجل إلى ابن عباس فقال : إن عمي طلق امرأته ثلاثا فقال : إن عمك عصى الله وأطاع الشيطان فلم يجعل الله له مخرجا[10] ووجه ذلك قول الله تعالى : { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } - إلى قوله - { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } ثم قال بعد ذلك { ومن يتق الله يجعل له مخرجا } { ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا } ومن جمع الثلاث لم يبق له أمر يحدث ولا يجعل الله له مخرجا ولا من أمره يسرا.
 وروى النسائي بإسناده عن محمود بن لبيد قال : [أخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فغضب ثم قال : أيلعب بكتاب الله عز و جل وأنا بين أظهركم ؟ حتى قام رجل فقال يا رسول الله : ألا أقتله ][11]
في حديث ابن عمر أنه : طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم تطليقة فاستفتى عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مره فليراجعها فذكر نحوه وفيه وكان عبد الله بن عمر يقول للرجل أما أنت طلقت امرأتك تطليقة أو تطليقتين فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أمرني بهذا فإن طلقت ثلاثا فلا تحل لك حتى تنكح زوجا غيرك وقد عصيت ربك رواه الدارقطني[12]
وروى الدارقطني بإسناده [ عن علي قال : سمع النبي صلى الله عليه و سلم رجلا طلق البتة فغضب وقال : تتخذون آيات الله هزوا أو دين الله هزوا أو لعبا ؟ من طلق البتة ألزمناه ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ][13]

ولأنه تحريم للبضع بقول الزوج من غير حاجة فحرم كالظهار بل هذا أولى لأن الظهار يرتفع تحريمه بالتكفير وهذا لا سبيل للزوج إلى رفعه بحال ولأنه ضرر بنفسه وبامرأته من غير حاجة فيدخل في عموم النهي وربما كان وسيلة إلى عوده إليها حراما أو بحيلة لا تزيل التحريم ووقوع الندم وخسارة الدنيا والآخرة فكان أولى بالتحريم من الطلاق في الحيض الذي ضرره بقاؤها في العدة أياما يسيرة أو الطلاق في طهر مسها فيه الذي ضرره احتمال الندم بظهور الحمل فإن الحمل فأن ضرر جمع الثلاث يتضاعف على ذلك أضعافا كثيرة فالتحريم ثم تنبيه على التحريم ههنا ولأنه قول من سمينا من الصحابة رواه الأثرم وغيره ولم يصح عندنا في عصرهم خلاف قولهم فيكون ذلك إجماعا.[14]
 (وأجاب هؤلاء لأدلة القول السابق بأن حديث المتلاعنين فغير لازم لأن الفرقة لم تقع بالطلاق فإنها وقعت بمجرد لعانهما وعند الشافعي بمجرد لعان الزوج فلا حجة فيه ثم إن اللعان يوجب تحريما مؤبدا فالطلاق بعده كالطلاق بعد انفساخ النكاح بالرضاع أو غيره ولأن جمع الثلاث إنما حرم لما يعقبه من الندم ويحصل به من الضرر ويفوت عليه من حل نكاحها ولا يحصل ذلك بالطلاق بعد اللعان.
وأما سائر الأحاديث لم يقع فيها جمع الثلاث بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فيكون مقرا عليه ولا حضر المطلق عند النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبر بذلك لينكر عليه على أن حديث فاطمة قد جاء فيه أن زوجها  أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها كما في لفظ مسلم (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَة أن أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصِ بْنِ المغِيرَةِ خرج مع علي بْنِ أَبِى طَالِبٍ إِلَى الْيَمَنِ فَأَرْسَلَ إِلَى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت مِنْ طَلاَقِهَا)[15]
وحديث امرأة رفاعة جاء فيه أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات كما في رواية البخاري ومسلم (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَبَتَّ طَلَاقَهَا فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ فَجَاءَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ....إلخ) متفق عليه[16]  فلم يكن في شيء من ذلك جمع الثلاث.
قال ابن تيمية رحمه الله: حديث فاطمة وامرأة رفاعة إنما طلقها ثلاثًا متفرقات، هكذا ثبت في الصحيح أن الثالثة آخر ثلاث تطليقات، لم يطلق ثلاثًا لا هذا ولا هذا مجتمعات. وقول الصحابي : طلق ثلاثًا، يتناول ما إذا طلقها ثلاثًا متفرقات، بأن يطلقها ثم يراجعها، ثم يطلقها ثم يراجعها، ثم يطلقها. وهذا طلاق سني واقع باتفاق الأئمة، وهو المشهور على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى الطلاق ثلاثًا)[17]

أما قياسهم جمع الثلاث على جمع الاثنين فقال عنه الكرماني: وهو قياس مع وضوح الفارق، لِأَنَّ جَمْع الثِّنْتَيْنِ لَا يَسْتَلْزِم الْبَيْنُونَة الْكُبْرَى بَلْ تَبْقَى لَهُ الرجعة إِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّة وَتَجْدِيد الْعَقْد بِغَيْرِ اِنْتِظَار عِدَّة إِنْ كَانَتْ بَائِنًا، بِخِلَافِ جَمْع الثَّلَاث.)[18]
ولا خلاف بين الجميع في أن الاختيار والأولى أن يطلق واحدة ثم يدعها حتى تنقضي عدتها إلا ما حكينا من قول السلف وأمنا من الندم فإنه متى ندم راجعها فإن فاته ذلك بانقضا عدتها فله نكاحها[19]



[1] )المغني: (8/241)
[2] ) فتاوى ابن تيمية (33/77)
[3] ) مسلم (1492) البخاري (5259)
[4] ) البخاري (4960) مسلم(1433)
[5] ) مسلم (1480)
[6] ) الشرح الكبير (257/8)  المغني (241/8)
[7] ) فتاوى ابن تيمية (33/76)
[8]  ) المغني (236/8)
[9] ) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (11345)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) 7/334
[10] ) أخرجه أبو داود (2197). وهو صحيح.
 [11] في سننه (3501)ضعفه الألباني.
[12]  في سننه (16/78).
[13]  في سننه (16/55)
[14]  الشرح الكبير(8/258) المغني (8/241)
[15] مسلم (3777)
[16]  البخاري (6084) مسلم(3600)
[17]  مجموع الفتاوى ( الباز المعدلة) (33/77)
[18]  فتح الباري (83/15)

[19] ) الشرح الكبير (8/259)

0 التعليقات:

 

تعريب وتطوير ابن حجر الغامدي ©2009 عبد الله محمد أويس | Template Blue by TNB